|
|
|
الإيثار أم الاستئثار؟
قراءات | 02-02-2017
الإِيْثَارُ أَمْ الاسْتِئْثَار؟ مِمَّا أَوْدَعَ اللهُ -تَعَالَى- فِي خَلْقِ الإِنْسَانِ مِنْ مَلَكَاتِ الْخَيْرِ هِيَ "مَلَكَةُ الإِيْثَارِ" بِاسْتِعْدَادِهَا لِتَفْضِيْلِ الآخَرِيْنَ عَلَى النَّفْسِ؛ وَتَقْدِيْمِهَا عَلَيْهَا رُغْمَ حَاجَتِهَا لِمَا يُؤْثِرُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مَكْسَبٍ مَادِّيٍّ، أَوْ مَعْنَوِيٍّ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر : 9] حِيْنَ يَتَحَلَّى الإِنْسَانُ بِأَخْلاقِيَّةِ الإِيْثَارِ يَمْتَدُّ عَلَى كُلِّ مَنْ حَوْلَهُ مِنَ النَّاسِ بِرُوْحِيَّةِ الْعَطَاءِ، وَيَغْلِبُ عَلَى سُلُوْكِهِ الْبَذْلُ وَالتَّضْحِيَةُ وَقَدْ تَصِلُ إِلى أَقْصَى مَدَاهَا بِتَقْدِيْمِ حَيَاتِهِ مِنْ أَجْلِ النَّاسِ، وَالْوَطَن.. مِثْلُ هَذِهِ الْمَلَكَةِ الْخَيِّرَةِ الْمَوْسُوْمَةِ بِالْبَذْلِ تَجْعَلُ الإِنْسَانَ مُعْطِياً أَيْنَمَا حَلَّ، وَإِلى أَيِّ مَكَانٍ رَحَلَ، وَلا تَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ مِنَ حُدُوْدِ الدَّوَائِرِ الاجْتِمَاعِيَّةِ بَدْءاً بِأَهْلِهِ، وَمُرُوْراً بِأَقْرِبَائِهِ، وَانْتِهَاءً بِعُمُوْمِ النَّاسِ؛ وَبِامْتِدَادِهَا تَمْتَدُّ الْمَحَبَّةُ، وَالثِّقَةُ، وَجُسُوْرُ التَّعَامُل.. بِعَكْسِهَا نَزْعَةُ "الاسْتِئْثَارِ" إِذْ تَكْشِفُ عَنْ شِدِّةِ الْحِرْصِ عَلَى أَخْذِ النَّصِيْبِ الأَكْبَرِ فِيْ كُلِّ مَا يَخْضَعُ لإِرَادَتِهِ الَّتِيْ قَدْ تَصِلُ إِلَى حَدِّ الاسْتِبْدَاد.. وَهُوَ مَا تُعَانِي مِنْهُ الْمُجْتَمَعَاتُ فِي شَتَّى مَجَالاتِ التَّعَامُلِ مِنْ "عُقْدَةِ الاسْتْئْثَارِ" وَ"شَرَاهَةِ التَّمَلُّكِ" مِمَّا يَفُوْقُ الْحَاجَةَ الطَّبِيْعِيَّةَ للإِنْسَانِ الاعْتِيَادِيِّ؛ بِذَلِكَ يَتَحَوَّلُ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ حَوْلِهِ إِلى فُرْصَةٍ للأِخْذِ، وَالاسْتِلاب.. فَبَيْنَمَا يَكُوْنُ "الْمُؤْثِرُ" عَلَى مَوْعِدٍ مَعَ شَعْبِهِ، وَكُلِّ مَنْ حَوْلَهُ فِي مَيَادِيْنِ الْعَطَاءِ لِيَجْزِلَ بِالبَذْلِ، وَالتَّضْحِيَةِ حَدَّ الْمَوْتِ مِنْ أَجْلِ مَبَادِئِهِ، وَكَرَامَةِ شَعْبِه يَقِفُ "الْمُسْتَأْثِرُ" مُنْكَفِأً عَلَى ذَاتِهِ، وَمُحْتَكِراً كُلَّ مَا يَقَعُ تَحْتَ طَائِلَتِه.. الَّذِيْنَ سَطَّرُوْا مَلاحِمَ البُطُوْلَةِ عَلَى طُوْلِ التَّارِيْخِ، وَأَنْقَذُوْا أُمَمَهُم مِنَ الْمِحَنِ فِي أَجْوَاءِ التَّحَدِّيَاتِ هُمْ أُوْلَئِكَ الأَفْذَاذُ الَّذِيْنَ تَوَشَّحَتْ مَسِيْرَتُهُم بـ"الإِيْثَار".. الإِيْثَارُ مَطْلُوْبٌ فِي كُلِّ الْحَالاتِ، وَفِي مَجَالاتِ التَّعَامُلِ الاجتماعيِّ كَافَّةً، أَمَّا في الظُرُوْفِ الصَّعْبَةِ، وَفِيْ أَجْوَاءِ التَّحَدِّي فَتَكُوْنُ الْحَاجَةُ قَدْ بَلَغَتْ أوْجَهَا لأنَّها تَمَسُّ الْمَصِيْرَ، وَتَحْفَظُ الْكَرَامَة.. مَا أَعْظَمَ أَوْلَئِكَ الرِّجَالَ الَّذِيْنَ بَاعُوْا دُنْيَاهُمْ مِنْ أَجْلِ دِيْنِهِمْ، وَقِيَمِهِم، وَأَعَارُوْا جَمَاجِمَهُمْ فِي سَبِيْلِ اللهِ، وَنُصْرَةِ دِيْنِهِ، وَالذَّوْدِ عَنْ أُمَّتِه.. مَنْ لَمْ يُكْتَبْ لَهُ أَنْ يَكُوْنَ مَعَهُمْ فِي جَبْهَةِ الْمُوَاجَهَةِ فِي الْخَطِّ الأَوَّلِ فَلْيَكُنْ مَعَهُمْ بِقَلْبِهِ، وَبِلِسَانِهِ، وَبِمَالِهِ، وَكُلِّ مَا أُوْتِيَ مِنْ إِمْكَانِيّة.. قِيْلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله و سلم): ((مَنْ مَاتَ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بالجِهَاد مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ)) هَنِيْئاً لِمَنْ خَلُصَتْ نِيَّاتُهُمْ لِوَجْهِ اللهِ، وَصَفَتْ نُفُوْسُهُمْ مِنْ شَوَائِبِ الرِّيَاءِ، وَتَحَرَّرَتْ إِرَادَاتُهُمْ مِنْ عُقَدِ الْخَوْفِ مِنْ غَيْرِ الله..
الإثنين 10/جمادى الأولى/ 1436 الموافق 2/3/2015 |
|