|
|
|
كلمة الدكتور إبراهيم الجعفريّ وزير الخارجيّة العراقيّة في مُؤتمَر (تحالف الحضارات ومُقاوَمة الإرهاب) في مقرِّ الأمم المُتحِدة بنيويورك 21/4/2015
الاخبار | 21-04-2015
بسم الله الرحمن الرحيم معالي السيِّد سام كوتيسا رئيس الدورة الـ 69 للجمعيّة العامّة للأمم المُتحِدة المُحترَم معالي السيِّد الأمين العامِّ للأمم المُتحِدة بان كي مون المُحترَم معالي السيِّد ناصر عبد العزيز النصر المُمثـِّل الأعلى لتحالف الحضارات المُحترَم السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.. من وحي عنوان المُؤتمَر (تحالف الحضارات ومُقاوَمة الإرهاب) لابدَّ لي أن أشير بمدخل إلى أنَّ الواقع الحضاريَّ في العالم تتقاسمه اتجاهات حضاريّة مُختلِفة.. هناك اتجاه التباعُد الحضاريِّ الذي ترك مساحة واسعة من عدم الالتقاء، وكلّ حضارة تتحرَّك في مسار بمعزل عن مسار الحضارات الأخرى، وهناك اتجاه الصِدام الحضاريِّ الذي يتجه نحو تفجير الخلافات، والوصول إلى حالة قد تـُهدِّد حضارات العالم بالانتهاء. ورُبَّما أشار لها صموئيل هنتغتن في كتابه (صِدام الحضارات)، وهناك اتجاه جديد يدعو إلى تفتيت الحضارات من داخلها، وإلى تهشيمها جزءاً جزءاً. هذا هو الاتجاه الإرهابيّ المُعاصِر؛ فعندما نـُقسِّم هذا التقسيم نكون قد أتينا على الجزء الأوَّل من عنوان المُؤتمَر، وربطنا بشقـِّه الثاني (تحالف الحضارات ومُقاوَمة الإرهاب). جميعنا ننشدُّ إلى التحالف الحضاريِّ؛ لأننا نعتقد من خلال التحالف الحضاريِّ أننا نستطيع أن نحفظ لحمة الشعوب، والتقارُب بين الشعوب، ونجعل مسار البشريّة على مشارف مرحلة جديدة. ما هي عناصر الحضارة؟ هذا السؤال المطروح.. أياً تكن هذه الحضارة سواء كانت في السابق، أم الحضارة الحاليّة، أم تطوّرات الحضارات القادمة.. أوّلاً يجب أن تعتمد أنَّ الإنسان هو صاحب القيمة العليا في هذه الحياة.. الإنسان بما هو إنسان بغضِّ النظر عن دينه، ومذهبه، وقوميّته، وانتمائه القارّيِّ والوطنيِّ، وأيّ اعتبارات أخرى. ثانياً عدم التمييز بين بني البشر بلونه، وجنسيّته، وقارّته، ولا بكلِّ شيء هذا العنصر الحضاريّ الثاني الأساسيّ في مفهوم الحضارة. ثالثاً يجب أن نتعامل مع الأرض، ومع هذا الوجود الزاخر بالقدرات والقابليات، ويجب أن تنطلق الحضارة لإعمار الأرض، والاستفادة من هذه الثروات، وجعلها لخدمة الإنسان.
احترام التعدُّديّة البشريّة. مازال العالم يختنق من الآخر، ولا يقبل الانفتاح على الآخر، ويدعو لاحتكار الحضارة بحيث تكون أحاديّة الجانب، وفي الوقت نفسه، وما لم تقـُم الحضارة على أساس نفع الإنسان، ونفع البشريّة، والابتعاد عن كلِّ أنواع الابتزاز سوف تتهدَّد، ويتهدَّد مصيرها بالزوال. رفض الأنواع المُختلِفة لانتهاك حُرمة البشر. اليوم نعيش عالماً تـُنتهَك فيه الحُرُمات في كلِّ قارّة من قارّات العالم، بل في كلِّ بلد من بلدان العالم. ولا أبالغ إذا أقول: في كلِّ بلدة من هذه البلدان تتهدَّد حُرّيّة الإنسان، وسيادته. في الوقت نفسه تحتاج الحضارة كعنصر حيويٍّ، وأساسيٍّ، ومُهـِمّ أن تـُوظـِّف العلم والمعرفة لبناء الحضارة، إضافة إلى إشاعة ثقافة الحُبِّ، والثقة، والتعارُف بين البشر؛ وما لم تتوافر هذه العناصر في الحضارة فهذا يعني أنها مُتحيِّزة، ومُحدَّدة، ومقولبة في إطار واحد. هناك خاموس من خمسة عناصر مُدمِّر، اليوم بدء خطره يتعاظم، وهو: الإرهاب، والفقر، والمرض، والجهل، والظلم. هذه العناصر الخمسة تـُشكِّل خاموساً خطِراً يُهدِّد حضارة البشر. ورُبّما تعصف بكلِّ هذا الركام الحضاريِّ الرائع الذي يُعبِّر عن مسيرة البشريّة. جئتكم من العراق من قِمّة الحضارة، من أعلى سُفوحها، من مهد التاريخ، ومن بواكيره الأولى التي عرفها العالم.. جئتكم من العراق من خط المُواجَهة الأوَّل مع الإرهاب المُتخلـِّف، والمُتوحِّش، والمُتحيون الذي لا يُفرِّق بارتكابه الجرائم بين الرجل والمرأة، وبين الكبير والصغير، ولا يجد أمامه معنى يتجسَّد فيه إنسان إلا ويستبيح كرامته، ودمه، وماله، ويستبيح كلَّ ما يتعلق به.. جئتكم من خط المُواجَهة الأوَّل، وأقول لكم: إنَّ هذا عنوان مُؤتمَركم الموسوم (تحالف الحضارات ومُقاوَمة الإرهاب) يجعلني أمام مسؤوليّة أن أذكِّركم أنَّ الخطر الذي يُواجهه العراق هو الخطر المُحدق بكم جميعاً، نعم.. المعركة بين القوات المُسلـَّحة العراقيّة بكلِّ مُكوِّناتها وبين قوى الإرهاب، وعناصر الفساد في الإرهاب، لكنَّ الذين أصطفوا تحت لواء داعش ينتمون إلى أكثر من 62 دولة من دول العالم بعض هذه الدول تنتمي للأمم المُتحِدة، بل بعض الدول لها عضويّة دائمة في مجلس الأمن. هؤلاء جميعاً ينضوون تحت لواء داعش. العراق يواجه هذا الخطر وهو خطر يستهدفكم جميعاً، والعراق يُدافِع عنكم جميعاً. ضحايا العراق هم ضحايا الإنسانيّة جميعاً، ولا يُوجَد فرق المُسلِم فيه، والمسيحيّ، والإيزيديّ، والصابئيّ، والقوميّات المُختلِفة العربيّة، والكرديّ، والتركمانيّة كلهم في خطر؛ لأنهم يُواجـِهون داعش، وهذا هو العراق الجديد المُتعدِّد المُكوِّنات، والمُتعدِّد التكوين الدينيِّ، والقوميِّ والسياسيّ. المرأة العراقيّة عندما تـُنتهَك يعني أنَّ المرأة تـُنتهَك في العالم كلـِّه؛ فلا فرق بين امرأة وأخرى، وكذلك الحال في الطفل العراقيِّ الذي يُقتـَل بطريقة تـُشاهِدونها في شاشات التلفاز معنى ذلك أنَّ كلَّ أطفال العالم يتعرَّضون للانتهاك. إحدى نماذج المرأة اللائي قـُتِلن في العراق تـُذكـِّرنا بعذراء أورليان جان دارك في عام 1424 القرن الخامس عشر عندما قـُتِلت وأحرِقت وهي حيّة، واليوم هذه الموجة تمتدُّ فالعراق شهد قتل الصحفيّة (أطوار بهجت) وهي شابّة عذراء غير مُتزوِّجة سمّيتـُها (عذراء الإعلام العراقيّ) قـُتِلت بطريقة بشعة على الرغم من البون الشاسع بين العراق وفرنسا في المسافة، والجغرافية، والبُعد، والمُدّة الزمنيّة بين القرن الخامس عشر حتى بداية القرن الحادي والعشرين. الإرهاب هو الإرهاب. لا مكان مُحدَّداً له، ولا دين، ولا وطن، ولا مذهب له ينتقـَّل كأيِّ سرطان، بل هو أخطر من أيِّ سرطان. إنَّ مُواطِني داعش بهذا الانتماء المُتعدِّد، ومنهم من كبرى الدول الديمقراطيّة في العالم يُهدِّدون، ويقرعون طبول الخطر في كلِّ بلد من البلدان، ولا يشتبه أحد فما من بلد من البلدان مُستثنى من خطر داعش. العراق لا يُريد منكم أن تبعثوا أبناءكم ليُقاتِلوا على أرضنا بدلاً عن أبنائنا. نحن -العراقيِّين- تحشَّد كلُ أبنائنا لمُواجَهة هذا الخطر بشجاعة، واستبسال. واليوم عصابات داعش تتقهقر، وتتراجع إلى الخلف تحت شِدّة ضَرَبات أبطالنا الأشاوس الغيارى المُتفانين من أجل الدفاع عن العراق، وعنكم جميعاً. العراق لا يُريد أن يعتدي على أيِّ دولة من الدول لا دول الجوار الجغرافيِّ، ولا أيّ دولة أخرى.. العراق لا يخوض حرباً دينيّة، ولا مذهبيّة، ولا قوميّة، ولا سياسيّة.. العراق بكلِّ حجمه يُدافِع عن سيادته، وكرامته، ويُدافِع عن نزعته القيميّة، والأخلاقيّة، وعن ثروات الشعب بكاملها؛ لذا حربه، ودفاعه دفاع مشروع.. إنه وبمثل هذه المُقاوَمة يُمثـِّل عمق حقوق الإنسان، بل يضع الأمم المُتحِدة على محكِّ الاختبار باعتبارها تـُمثـِّل خيمة المشروعيّة الدوليّة، ويُناشِدها أن تقف إلى جانبه وقفة مسؤولة مع حجم الخطورة التي ألمَّت به. مادام مُواطِنو داعش ينتمون إلى هذا العدد الكبير جدّاً من الدول فلابدَّ أن يكون ردُّ الفعل ردّاً بهذا الحجم إن لم يكن أكثر. هناك مُشارَكة من قِبَل الدول لدعم العراق، لكننا نأمل أن تكون المُشارَكة أكثر، وأشدَّ، وأسرع. لابدَّ من التعاون على تنفيذ قرارات مجلس الأمن 2170 و 2178 و 2199، وهي قرارات اتخذها مجلس الأمن، ولابدَّ من العمل على تفعيلها، وتطبيقها، وتحريكها. العراق يتطلع منكم جميعاً الوقوف إلى جانبه على المُستوى الأمنيِّ، واللوجستيِّ، والماليِّ، والإنسانيِّ وأنتم تعلمون أنَّ عدد النازحين في العراق تجاوز المليونين وسبعمائة ألف مُواطِن نزحوا من الموصل وغيرها إلى مناطق مُتعدِّدة؛ وبذلك شكَّلوا اختلالاً في الوضع الاجتماعيِّ في المناطق التي نزحوا إليها. العراق يتطلع لدعمكم، ومُساهَمتكم في بناء المناطق التي خرَّبتها أيادي الإرهاب الآثمة خُصُوصاً أنَّ فيها مناطق تمتدُّ للإرث العالميِّ، والتراث الذي يمتدُّ لمئات، بل آلاف السنين. بالمُناسَبة.. أنَّ المُبادَرة التي تحمَّس إليها العراق، وفي هذا الاطار يعمل العراق مع شريكه ألمانيا الاتحاديّة، ومُنظـَّمة اليونسكو، ومجموعة من الدول المُسانِدة للعراق على إصدار قرار في الجمعيّة العامّة للأمم المُتحِدة يهدف إلى مُواجَهة هذا التطرُّف، والهمجيّة، ويعزم على إيجاد موقف مُوحَّد ضدَّ أيِّ هجمات على التراث الحضاريِّ في أيِّ بلد باعتباره هُجُوماً على التراث المُشترَك للإنسانيّة كلـِّها، وتسعى هذه المُبادَرة التي نـُعلِن عنها اليوم لحماية التراث الثقافيِّ، وهو تراث عالميّ، ونأمل مُسانـَدة الدول الأعضاء لها، والتأكيد على أربع نقاط: 1. التأكيد على أهمّيّة الحفاظ على التراث الثقافيِّ للإنسانيّة. 2. إنَّ الهجمات الإرهابيّة التي يقوم بها تنظيم داعش على التراث الثقافيِّ جرائم حرب. 3. حماية، وصيانة التراث الحضاريِّ مسؤوليّة كلِّ الدول، وليس فقط مسؤوليّة العراق فقط، أو أيِّ بلد ضحيّة. 4. التأكيد على ضرورة مُحاسَبة مُرتكِبي تلك الجرائم، ومنعهم من الإفلات من القانون والعقاب. يُضاف إلى ذلك إنَّ هؤلاء عملوا على تخريب بُيُوت المُواطِنين، ومحالِّ عباداتهم، ومُؤسَّساتهم الاجتماعيّة، ولم يتركوا بيتاً ومُؤسَّسة اجتماعيّة إلا وعبثوا فيها، ولم يُفرِّقوا بين المعابد، والكنائس. العراق اليوم يتمتـَّع بتقدُّم من الناحية السياسيّة إذ استطاع أن يجمع كلَّ الفرقاء السياسيِّين في حكومة وطنيّة شاملة، واستطاع أن يتواءم مع البرلمان العراقيِّ، واستطاع أن يتكامل كحكومة مركزيّة اتحاديّة في بغداد مع حكومة إقليم كردستان، وأقدم على خطوات رائعة، وفي سياسته الخارجيّة عمل بمبدأ سياسة الانفتاح المُتوازن مع مُختلِف دول العالم، وسيتواصل على ذلك مع كلِّ دولكم. حقـَّقت القوات العسكريّة العراقيّة بكلِّ مُكوِّناتها: (قوات الحشد الشعبيّ، والبيشمركة، والحرس الوطنيّ، وأبناء العشائر) كلـُّهم ينضوون تحت لواء القوات المُسلـَّحة العراقيّة حقـَّقوا انتصارات باهرة شهدتها الساحة العراقيّة. أودُّ أن أقول لكم في خاتمة الحديث: العراق عوَّد العالم على أنه بلد الحرف الأوَّل، وهو وحدة بناء الكتابة، والحضارة، والفكر، والمعرفة. والعراق بلد الأسطوانة، والفنّ الذي انبثقت عنه القيثارة، وبلد القانون الجزائيّ في مسلة حمورابي منذ عام 1792 إلى 1752 قبل الميلاد، والعراق بلد العقد الاجتماعيّ الأوَّل كما نصَّت المسلة على أنـَّها حوت القانون الجزائيّ الأوَّل مُضافاً إلى ذلك إنـَّه بلد التعايش الدينيِّ، والمذهبيِّ، والقوميِّ، والسياسيِّ ولابدَّ أن يأخذ حجمه تحت الشمس. لابدَّ أن تشهد هذه المُبادَرة الكريمة انعطافة في التعامُل مع منابع الحضارة الأساسيّة.. مع المرأة.. مع الشباب، ومع الأطفال.. فالشباب هم بُناة الحاضر، والشابّ اليوم يتولى عمليّة بناء الحاضر بكلِّ قوة، ويرسم معالم مُجتمَعه، ودولته من جديد. أمّا الطفل فهو يحمل تباشير المُستقبَل. الطفولة هي التي تجعلنا نستشرف المُستقبَل القريب؛ حتى يُبنى بنظريّة معرفيّة ليس بمعزل عن الشباب. أمّا المرأة فهي صانعة الصناع. هي صانعة الشباب، وهي صانعة الأطفال. أتمنـَّى لمُؤتمَركم الموفقيّة، والنجاح، وأتمنـَّى لكم أن تأتوا على كلِّ هذه النقاط، ونقاط أخرى لإثراء المسيرة المعرفيّة، وبناء حضارة جديدة لا يشكو منها أحد أنه مُقصَى حضاريّاً.. حضارة تأتلف.. حضارة تجعل الإنسان سيِّد الموقف.. حضارة تـُسخـِّر كلَّ شيء في هذا الوجود لخدمة الإنسان خـُصُوصاً أنَّ الله كرَّم هذا الإنسان. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
العودة إلى صفحة الأخبار |
|