الجعفريّ للعرب: أصبح صوت العراق مسموعاً وأصبحت إنجازاته موضع احترام العالم.. نحتاج إلى وُقوفكم إلى جانبنا ونحن لا نطلب دماء أبنائكم بدلاً من دماء أبنائنا ولكن عليكم مُساعَدتنا في مُواجَهة داعش خُصُوصاً أنَّهم جاؤوا من بلدانكم ومن أكثر من مئة دولة الجعفريّ لوزراء الخارجيَّة العرب: نحن لا نـُمثـِّل حُكـَّاماً وحكومات فقط، بل نـُمثـِّل شُعُوباً عربيَّة وإضعاف أيِّ دولة إضعاف لنا جميعاً.. داعش يستهدف كلَّ دول العالم خُصُوصاً الدول العربيَّة؛ لذا عليكم أن تُتابعوا ما يجري في العراق خطوة خطوة الجعفريّ من جنيف: العراق من الدول التي تعاني من نار الإرهاب ومن الدول المنتصرة على الإرهاب وحاولتْ بعض الجهات الدوليَّة التي تدعم الإرهاب إلى إرباك جهدنا و‏تزييف الحقائق واتهام مُؤسَّسة الحشد الشعبيِّ وبلا دليل، وهي لا تخدم في حقيقتها بذلك إلا الإرهاب الجعفريّ: تـُوجَد الآن دول عظمى تفكِّر بعقليَّة (كاوبوي) -رُعاة البقر-، بينما العراق يتعامل بطريقة إنسانيَّة حتى مع خصمه؛ لأنه تعلـَّم على شيء اسمه كيفيَّة غضِّ النظر عن الجزئيَّات، ويفكر بالحلول أكثر ما يفكر بالمشاكل الجعفريّ لوزراء خارجيّة الدول العربيّة وروسيا بأبو ظبي: ماذا كان مصير منطقتنا والعالم بأسره لو لم يتصدَّ العراقيُّون لخطر الإرهاب بهذه الهمَّة والروحيَّة التي جنَّبت الجميع أهوالاً كبيرة لابُدَّ أن تخرج الاجتماعات من الروتينيَّة وتُسمِّي الأشياء بأسمائها الجعفريّ للسفير الأميركيّ: العراقيُّون هم ضحيَّة الإرهاب ويُواجهون إرهابيِّي داعش الذين جاؤوا من أكثر من مئة دولة، ومنهم من أميركا ودول ديمقراطيَّة أخرى ولم يحكموا على تلك الدول من خلال هؤلاء الشذاذ ولم يقطعوا علاقاتهم وإنما امتدّوا بها للقضاء عليه رئيس الوكالة الكوريَّة للتعاون الدوليِّ (كويكا) للجعفريّ: المشروع الستراتيجي للوكالة هو بناء مستشفى خاصة في بغداد من أربعة طوابق لمعالجة جرحى العمليات الإرهابيَّة، وتدريب الكوادر الطبية العراقية وعددهم 650 طبيباً في المستشفيات الكوريَّة الجنوبيَّة الدكتور إبراهيم الجعفريّ والشيخ صباح خالد الحمد الصباح يوقـَّعان على محضر الدورة السادسة للجنة الوزاريَّة العليا المُشترَكة العراقيّة-الكويتيَّة المُنعقِدة في بغداد والمتضمن بحث 21 ملفاً مُشترَكاً والتوقيع على ثلاث مذكرات تفاهم الجعفريّ يدعو رئيس الوزراء المصريّ إلى تخفيف الإجراءات، وتسهيل منح سمات الدخول "الفيزا" للعراقيين الراغبين بزيارة مصر كسائحين، ورجال الأعمال، وطلبة؛ لما له من أثر كبير على تقوية العلاقات بين البلدين الجعفريّ: عهدي بكم أن تكونوا بحجم اسم العراق وأن لا تتنازلوا عن حقوق بلدكم وأهلكم ولا تضعفوا في الدفاع عن العراق وأهله.. ولا تنسوا دموع الثكالى من الأمهات والأزواج والأطفال ودماء الشهداء وأظنكم أنكم لن تنسوا فأنتم فرسان الخارجيّة العراقيّة

كلمة الدكتور إبراهيم الجعفريّ وزير الخارجيَّة في احتفاليَّة الوزارة بمُناسَبة تعيين السفير محمد علي الحكيم بمنصب نائب الأمين العامِّ للأمم المتحدة، والمُدير التنفيذيِّ للجنة الاقتصاديَّة، والاجتماعيَّة لدول غرب آسيا (منظمة الأسكوا)
الجعفريّ: ما حصل في الخارجيَّة لا يُمثـِّل كلَّ طموحي ولم يكن قليلاً وطموحي أكبر بكثير.. وما وصل إليه العراق وكسب منصب نائب الأمين العامِّ للأمم المتحدة هو تعبير ليس عن العراق فقط بل لدولنا الشقيقة عربيَّة كانت أم إسلاميَّة
الاخبار | 15-05-2017

الجعفريّ: بكلِّ تأكيد ما من موقع من المواقع يصل الإنسان فيه إلى حجم الأمميَّة العالميَّة إلا ويُعبِّر عن إرادة بلد بكامل حجمه، وبكلِّ قواه السياسيَّة، وكلِّ وزاراته، وكلِّ شرائحه الاجتماعيَّة، وهو ليس مسعى شخصيّاً مُنفصِلاً عن الإرادة الوطنيَّة..

الجعفريّ: ما وصل إليه العراق، وكسب هذا الموقع هو تعبير ليس عن العراق فقط، بل إنَّ مردوداته، وآثاره ستنعكس على العراق، وتنعكس على دولنا الشقيقة عربيَّة كانت أم إسلاميَّة..

الجعفريّ: الحجم الأمميُّ أكبر من أكبر بلد، ونحن نتطلـَّع للأمم المتحدة أن تخطو خطوات حثيثة على طريق الصعود، وتجاوُز المأساة التي مرَّت بها في كثير من السنوات إزاء كثير من القضايا، وواحدة منهنّ: قضيَّة فلسطين، وهذه هي طبيعة المُكوِّنات الأمميَّة تتحرَّك، وتتطوَّر مع تطوُّر الزمن..

الجعفريّ: ليس بدعاً من القول إنَّ الطبع الدبلوماسيَّ ليس صفة سهلة الاكتساب، فرُبَّما يستطيع البعض أن يتحلـَّى بالعقليَّة الدبلوماسيَّة، والأخلاقـيَّة الدبلوماسيَّة، ولكن ليست كالذي يتمحَّظ بها، وينمو، وينشأ، ويترعرع عليها، أنا لا أنكر ما للأكاديميَّة من دور في صقل المواهب، لكنها لا تـُعوِّض عن المَلـَكة- لذا يجب أن نمعن النظر في كلِّ اختصاص بمُقابَلة في امتحان، وما شاكل ذلك، ونحدِّد في المُتقدِّم هل توافرت لديه إمكانات ذاتيَّة جُبـِل عليها، أم هي مُجرَّد أكاديميَّة..

الجعفريّ: سبق أن تحدَّثتُ مع السيِّد بان كي مون عن حرصي، واهتمامي بأن تتطوَّر الأمم المتحدة، ولا تبقى جامدة، كما كانت سابقاً، فخرجنا من غرفته، وخرج معي، وتشابكت أيدينا في الممرِّ، وقال: أنا أعرف أنَّ المُواصَفات التي تعطيها بالنسبة للعراق أعرف مَن تقصد، وقال: أنت تقصد السيِّد محمد علي الحكيم، وأنا أشاركك بهذا الانطباع.. هذه قالها لي قبل حوالى سنتين، أو سنة ونصف، وعندما التقينا مع السيِّد أنطونيو غوتيريس كان انطباعه انطباعاً حسناً وجيِّداً أيضاً؛ لما تلمَّسه من نشاط، وفاعليَّة، وأداء، ونمطيَّة من السيِّد محمد علي الحكيم..

الجعفريّ: تقدَّمنا شوطاً، ولكن ليس كلّ الأشواط، ونتطلع أن لا نختزل حجم طموحاتنا بالأمم المتحدة للعراق، ولا لأيِّ دولة عربيَّة، أو دولة إسلاميَّة، بل نتمنى، ونتطلع أنَّ يتحقق هذا الطموح؛ حتى ينشر ظله من العدالة والمساواة على كلِّ دول، وشُعُوب العالم..

الجعفريّ: العراق دولة مُؤسِّسة بالأمم المتحدة، ودولة لها باع طويل، وتاريخ حضاريّ تعاملت مع مُفرَدات، وبواكير أفكار العدالة الاجتماعيَّة منذ عام 1792 إلى 1752 قبل ميلاد السيِّد المسيح -عليه السلام- تتحدَّث عن حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وعن كثير من مفاهيم العدالة الاجتماعيَّة، وشبكات الماء، كيف تـُوزَّع على الأراضي الزراعيَّة، ويُهدِّد من لا يلتزم بها بقطع الماء عنه..

الجعفريّ: نحن بلد لديه موروث حضاريّ ينحدر من قديم الزمن.. الحضارة لا تأتي بين عشيَّة وضُحاها.. يستطيع الإنسان أن يكون أكاديميّاً خلال 4، أو 5، أو 6 سنوات حسب الاختصاص، لكنه لا يستطيع أن يقفز إلى آفاق الحضارة المُتعالِية بين عشيَّة وضُحاها..

الجعفريّ: لا تستغربوا عندما يتحدَّث العراق عن ذلك، فابن الهور العراقيّ لديه مرتبة سامقة من الحضارة، والفهم الحضاريِّ، وهو أمّيٌّ لا يعرف القراءة والكتابة، ولكن لديه موروث حضاريّ يستنشق الحضارة استنشاق قِيَم..

الجعفريّ: يجب أن نعزِّز في نفوس أولادنا وبناتنا أنهم ورثوا حضارة ترفع الرأس، ولا نخجل عندما نقول: نحن عراقيون.. ليس مُجرَّد اعتزاز بالذات، وإثبات للذات، وإنما هذا هو تاريخنا، وحاضرنا، وهذه مُكوِّناتنا الاجتماعيَّة المُتعدِّدة..

الجعفريّ: هذا لم يكن مكسباً للعراق فقط، بل هو مكسب لجميع أشقائنا، وإخواننا من الدول العربيَّة، والدول الإسلاميَّة، ولم يكن بمعزل عن التقدُّم الذي حصل في باقي جوانب العراق..

الجعفريّ: العراق يقطع شوطاً بعد آخر، ويمضي على الطريق خطوة بعد أخرى إلى جانب خطوات في المجال الأمنيِّ، والعسكريِّ، والاقتصاديِّ، ولا تنسوا أننا نعيش ظرفاً في غاية التحدِّي، ولا يُمكِن أن نمشي من دون أن نأخذ بنظر الاعتبار وُعُورة الطريق.. السائر في طريق مُعبَّد غير الذي يسير في طريق وَعِرٍ، مملوء بالأشواك، والتحدِّيات..

الجعفريّ: الإرادة العراقـيَّة كانت أقوى من التحدِّي الاقتصاديِّ، والأمنيِّ، والعسكريِّ، وتحدِّيات الفساد المُتراكِم من السابق..

الجعفريّ: انضوت كلّ الكتل التي تحمل السلاح تحت لواء القيادة العامة للقوات المسلحة من الجيش، والشرطة، والحشد الشعبيِّ، والبيشمركة، وقوات مكافحة الإرهاب، وكلّ الحُشُود العشائريَّة، وكانت كلمتها واحدة، وقبل الكلمة كان موقفها واحداً.. هذا ما أفرزته مُعادَلات الميدان.. الجميع يحملون اسم العراق، بل يحملون الأسلحة بأكفهم، ويحملون أرواحهم على راحتهم؛ ليُحرِّروا العراق.. هذه كانت نقطة أساسيَّة، ومُهمَّة..

الجعفريّ: لا نـُنكِر أنَّ هناك فصائل سياسيَّة مُتعدِّدة، فلسنا كلنا في حزب واحد، ولا في جهة واحدة، ولا تـيَّار واحد، نحن شرائح مُتعدِّدة شأننا شأن كلِّ بلدان العالم التي حظيت بالتعدُّديَّة الاجتماعيَّة؛ لذا عندما ننظر إلى البرلمان نجده مُزداناً بألوان، واتجاهات مُختلِفة، وعندما نـُتابع المواقف، والتشريعات من الناحية الإجماليَّة نجدها تتجه صوب اتجاه واحد، وانضوت تحت شيء واحد، وهو موقفها الرافض للإرهاب..

الجعفريّ: ما حصل في العراق انعكس في الخارج العراقيِّ على كلِّ دول العالم، كما لمسته لمس اليد في الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربيَّة، ودول عدم الانحياز، ومنظمة المُؤتمَر الإسلاميِّ، كلـُّها تنظر له بكلِّ احترام؛ لأنَّ خطاب العراق واحد، ولأنَّ موقف العراق واحد..

الجعفريّ: كان يُوجَد تردُّد في البداية باستثناء بعض الشرائح الاجتماعيَّة، وبعض الشرائح السياسيَّة من خلاصات البيانات التي تـُكتـَب، وبعد ذلك مرَّت بمرحلة ثانية، فصار الذي يُريد أن يأتي باسم شريحة مُعيَّنة وتحديداً الحشد الشعبيّ يتردَّد، ويخشى من رُدُود الفعل السلبيَّة؛ لأنه أصبح الآن حقيقة واقعة على الأرض..

الجعفريّ: نحن لن نتخلـَّى عن أيِّ قوة سياسيَّة لها فعل وطنيّ على الأرض سواء كان الحشد الشعبيّ، أم أيّ شريحة أخرى، ولا نستحي، ولا نخجل في أن نطالب بها؛ لأنها جزء من مُجتمَعنا..

الجعفريّ: عندما صُبَّت المصائب على العراقيين في منطقة سنجار -على سبيل المثال- على الإخوة الإيزديِّين نحن ملأنا الدنيا صُراخاً.. في كلِّ مكان نتحدَّث عنهم، وعندما حدث الاعتداء على نساء التركمان في منطقة تلعفر، وكيف تمَّ هتك الحُرَم، وحرق بعض النساء وهُنَّ أحياء كانت لهُنَّ حِصَّة عالية من الخطاب.. لا تـُوجَد شريحة اجتماعيَّة استثنيناها من العرب، والأكراد، والتركمان، والسُنـَّة، والشيعة، والإيزديِّين، والصابئة..

الجعفريّ: وزارة الخارجيَّة هي وزارة العراق، وليس وزارة خارجيَّة خلفيَّة الوزير، أو السفير، أو رئيس الوزراء، أو رئيس الجمهوريَّة، أو رئيس البرلمان.. كلـُّهم جزء من العراق..

الجعفريّ: العراق أكبر من أكبر شخصيَّة موجودة في الحكومة؛ وما لم يكن العراق أكبر من كلِّ كياناتنا لا نستطيع أن نقول: نحن صنعنا دولة.. هذا هو شأن الحكم.. الحكم أكبر من الحُكـَّام، بل أكبر من الحُكُومة، وكلـُّهم يجمعهم حُبُّ العراق، والتفاني من أجله.. وأيُّ عطاء أكبر من الذي يحمل سلاحه دفاعاً عن عِرض، ومال، وسيادة، وخيرات؟!.. هؤلاء هم المُدرِّسون، ونحن الطلاب..

الجعفريّ: أقول لكم بكلِّ صراحة: ليس لديَّ صفقة عاطفيَّة مع أحد، لا مع كيان مُعيَّن، ولا مع شخصيَّة مُعيَّنة أبداً.. أنا أنظر للعراق كقيمة كبرى، وأنظر للمُواطِن العراقيِّ كحامل لهذه القيمة، ومُضحٍّ من أجلها..

الجعفريّ: دول العالم تتبارى اليوم في تناول الملفِّ العراقيِّ بكلِّ احترام؛ هذه أصداء لصوت العراقـيِّين في الداخل من صاحب الصوت الوطنيِّ العراقيِّ.. أبطالنا في الجبهات، وسياسيُّونا المُخلِصون الذي ابتعدوا عن الثرثرة، وانهمكوا، وشمَّروا لرفع اسم العراق.. ليس بدعاً أن يكون لدينا اتجاهات سياسيَّة مُختلِفة.. هذا شرف لنا، لا يُوجَد بلد اليوم يُختزَل بعشيرة، أو قوميَّة، أو مذهب، أو قوَّة سياسيَّة مُعيَّنة..

الجعفريّ: العراق ورثناه من آبائنا، وأجدادنا مُتعدِّد المُكوِّنات، ونـُحافِظ عليه، ونعتزّ به، وعندما يبقى العراق أكبر من أكبر كيان معناه وفقنا بين الكلِّ الوطنيِّ العراقيِّ، والأجزاء المُكوِّنة، ووفقنا بين الحكم، والحكومات، والحكام.. نتمسَّك بالعراق الحكم الذي سيعبر من هذا الجيل إلى الأجيال القادمة، وهذا يجب أن نعبر معه..

الجعفريّ: حصلنا على نائب رئيس مجلس حقوق الإنسان، وكانت بادرة طيِّبة، وجيِّدة، واليوم -الحمد لله- نائب الأمين العامّ، وإدارة المكتب التنفيذيّ للأسكوا..

الجعفريّ: لابُدَّ أن أثبت تجربتي مع السيِّد محمد علي الحكيم إذ كانت تجربة لا أستطيع أن أقول إنها قصيرة، لكنها ليست طويلة جدّاً، فهي منذ عام 2003 حين كنتُ في مجلس الحكم، وكان السيد الحكيم معي في مجلس الحكم.. أشهد أنه كان سياسيّاً، ودبلوماسيَّ الطبع، وليس التطبُّع.. طبيعته دبلوماسيّ..

الجعفريّ: نحن بأمسِّ الحاجة لأن نـُنشِئ جيلاً من المُختصِّين يتماهى في اختصاصه، ولا يتكلـَّف، ولديه شخصيَّة، مثلما تبنـَّيتُ إخوة آخرين لا يعلمون ما بذلتُ من جهد من أجلهم، وهو واجب أؤدِّيه لبلدي العراق، لهذا الجيل، والأجيال القادمة..

الجعفريّ: اكتشاف أصحاب القابليَّات، ودعمهم ليس مِنـَّة عليهم، بل هو استحقاق، وضريبة، ويجب أن نحترم الكفاءة، ونـُقدِّرها.. نصيحتي لكلِّ الذين لديهم طموحات -وهذا حقهم الطبيعيّ- أن يُوفـِّروا مُستلزَمات تحقيقها، ويجب أن نسمع صوت الزمن.. الإنسان لديه قابليَّة، ولكن ليأخذ طريقه، ويرتقِ بشكل تدريجيٍّ.. انظروا للكثيرين الذين كانت لديهم مواقع سابقة صعدوا بها بشكل تدريجيّ..

الجعفريّ: يجب أن ننشر ثقافة الارتقاء التدريجيِّ لكلِّ أبنائنا وبناتنا، ونزجّهم، ونثق بهم، ونمدحهم حيثما يستحقون المدح، وندافع عنهم حيث يتطلب الأمر الدفاع، ولا نخجل حتى ننشئ جيلاً يأخذ زمام المسؤوليَّة.. على قابليَّاتنا، وقدراتنا الموجودة مسؤوليَّة النهوض باسم العراق، ويجب أن يمتدَّ المسؤول إلى حجم المُؤسَّسة، ويتحدَّث بحجم الأمم المتحدة.. هناك مشاكل في الأمم المتحدة، ويجب أن تعيد النظر في سياقاتها، وهناك الكثير من القضايا التي تعدُّها مُسلـَّمات، وهي مُنغـِّصات في مسيرة الأمم المتحدة..

الجعفريّ: عندما نضخّ مفاهيم صحيحة على مُستوى التنظير، وشخصيَّات كفوءة على مُستوى التطبيق نأمل أن نرفع هذا الظلم.. توجد الآن دول متقاطِعة، وأخرى مُتحاربة، وفرض حصار على هذه الدولة، وعدم السماح لتلك الدولة.. ما هذا؟.. هل نحن في عصر القبائل، والعشائر؟!.. حتى القبائل والعشائر لديها قِيَم، وعندما تتحارب تتصالح.. هذا عالم لا يصلح أن يكون القرن الحادي والعشرين، هذا عالم القرون الوسطى حيث السطو، والمنع.. هذا عالم يجب أن يُغادِرنا، ويذهب..

الجعفريّ: ألا ترون الآن المصائب التي صُبَّت على سورية.. هذا الطفل الصغير الذي رمته الأمواج على الساحل، وقـُلْ مثل ذلك قبلها على فلان بلد، وفلان بلد.. أنا لستُ داعياً لنظام أو حاكم مُعيَّن، لكني أرى الحقيقة كما أراها، وعهد الله عليَّ أن أقولها كما أراها.. رُبَّما أشتبه، ولكن لا أكذب على نفسي، ولا على أحد..

الجعفريّ: نحن بأمسِّ الحاجة لأن نطوِّر هذه المُؤسَّسات، والمُنظـَّمات حتى تصل إلى مُستوى ينبغي أن تصل إليه دول العالم.. الأمم المتحدة أدَّت دوراً، والآن بإمكانها أن تـُؤدِّي دوراً أكبر..

الجعفريّ: لا يشغلنكم ثقافة الاستهلاك عن بناء العراق، ليس المهمُّ ماذا يقولون عنا، وإنـَّما المُهمُّ كيف نـُرضي ضميرنا.. المُؤمِن بنا بالله -عزَّ وجلَّ- يجب أن يُفكر كيف يُقدِّم لهذا الجيل، والأجيال القادمة، ونقطع الطريق على الدكتاتوريّات.. الدكتاتور يموت لكنَّ الدكتاتوريَّة قد تعود مرَّة أخرى إذا فوَّتنا الفرصة..

الجعفريّ: البديل عن الدكتاتوريَّة ليست المساومات الانتخابيَّة، وإنـَّما البديل هو أن ننفتح على قدراتنا، وقابليَّاتنا، وندعها تشقُّ طريقها، ونشيع ثقافة أخرى بدلاً عن ثقافة تبادل الصفقات؛ هذا لا يبني البلد، وإنـَّما الذي يبني البلد هو وُجُود أناس أكفاء يُديرونه..

الجعفريّ: نحتاج إلى ثقافة، ليست ثقافة كلام، بل ثقافة فعل.. دول العالم بنت حُكـُوماتها عندما حوَّلت كلَّ ما لديها من تراث، ومن حاضر، ومن قدرات، وقابليَّات..

الجعفريّ: نحتاج أن ننفتح على هذه التجربة بعقولنا؛ لنتزوَّد بهذا الفكر، والمفاهيم، والأكثر من ذلك بقلوبنا؛ لنأخذ قِيَماً، وعواطف، ومشاعر حقيقـيَّة نبني بها البلد.. البلد لا يُبنى إلا بهذه الطريقة..

الجعفريّ: إنَّ ما حصل في الخارجيَّة العراقـيَّة لا يُمثـِّل كلَّ طموحي، ولم يكن قليلاً، وطموحي أكبر بكثير، لكنَّ الوُجُود الناقص خير من العدم.. ما تحقـَّق أفضل ممَّا لم يتحقق، وهذا لم يعُد سِرُّ نجاحه إلى شخصيَّة مُعيَّنة، بل يعود لكلِّ الموظفين والموظفات بلا استثناء..

الجعفريّ: كلُّ الذين عملوا.. كلُّ الذين كتبوا.. كلُّ الذين نقدوا.. كلُّ الذين باشروا مَهمَّاتهم، وأعمالهم بطريقة كفوءة، وجديرة، كلـُّهم مُساهِمون، ويستحقون الشكر والتقدير..

الجعفريّ: إنَّ مصطلح الجنديّ المجهول أحبُّه كثيراً، فقد ذهب زمن اختزال الشجاعة العربيَّة بعنتر، واختزال الشجاعة عند الروم بيوليوس قيصر.. الشجعان الآن كـُثـُر؛ لذا قالوا: الجنديّ المجهول جنديّ شجاع، لكنّـه مجهول، ليس له اسم؛ لذا يُوجَد الدبلوماسيّ المجهول، والمُعلـِّم المجهول، والإعلاميّ المجهول، والسياسيّ المجهول.. مُنتهى الروعة أن يتماهى الإنسان، ويتنازل عن ذاته في سبيل أن يُبرز قيمة حقيقة تستطيع أن تعبر إلى المُستقبَل، وتمتدَّ إلى جغرافية دول العالم الأخرى..

 

وإلى حضراتكم النص الكامل لكلمة الدكتور إبراهيم الجعفريّ وزير الخارجيَّة في احتفاليَّة الوزارة بمُناسَبة تعيين السفير محمد علي الحكيم بمنصب نائب الأمين العامِّ للأمم المتحدة، والمُدير التنفيذيِّ للجنة الاقتصاديَّة، والاجتماعيَّة لدول غرب آسيا (منظمة الأسكوا)

بسم الله الرحمن الرحيم

 

السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته..

أحيِّيكم جميعاً أجمل تحيَّة، وأرحِّب بكم في هذه المُناسَبة الكريمة التي تجمعنا وإيَّاكم في هذا الحفل المُبارَك، حفل تنصيب أخينا الفاضل الدكتور محمد علي الحكيم لمنصب نائب الأمين العامِّ للأمم المتحدة..

أستهلُّ حديثي بقوله تعالى:

((وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ))       {المائدة/2}

بكلِّ تأكيد ما من موقع من المواقع يصل الإنسان فيه إلى حجم الأمميَّة العالميَّة إلا ويُعبِّر عن إرادة بلد بكامل حجمه، وبكلِّ قواه السياسيَّة، وكلِّ وزاراته، وكلِّ شرائحه الاجتماعيَّة، وهو ليس مسعى شخصيّاً مُنفصِلاً عن الإرادة الوطنيَّة.

ما وصل إليه العراق، وكسب هذا الموقع هو تعبير ليس عن العراق فقط، بل إنَّ مردوداته، وآثاره ستنعكس على العراق، وتنعكس على دولنا الشقيقة عربيَّة كانت أم إسلاميَّة.

الحجم الأمميُّ أكبر من أكبر بلد، ونحن نتطلـَّع للأمم المتحدة أن تخطو خطوات حثيثة على طريق الصعود، وتجاوُز المأساة التي مرَّت بها في كثير من السنوات إزاء كثير من القضايا، وواحدة منهنّ: قضيَّة فلسطين، وهذه هي طبيعة المُكوِّنات الأمميَّة تتحرَّك، وتتطوَّر مع تطوُّر الزمن.

في يوم من الأيَّام لم يكن هناك أمم متحدة، وقد كانت عصبة الأمم، ولم تكن مرضيَّة من قبلُ، وجاءت من عقل شخصيَّة أميركيَّة، لكنَّ أميركا قاطعت عصبة الأمم، وانعزلت عن التاريخ، وحُجـِبت من التاريخ منذ تأسيس العصبة إلى أن استُبدِلت بالأمم المتحدة، فأصبحت اللاعب الأساسيَّ الأوَّل في الأمم المتحدة..

هذه هي تطوُّرات المنظمات، والدول، والحكومات، والأحزاب، وكلّ شيء لا يبقى على ما هو عليه، كلـُّها كائنات مُتحرِّكة تتطلـَّع نحو الأفضل، وتخطو خطوات حثيثة.. واحدة منها الأمم المتحدة.

ليس بدعاً من القول إنَّ الطبع الدبلوماسيَّ ليس صفة سهلة الاكتساب، فرُبَّما يستطيع البعض أن يتحلـَّى بالعقليَّة الدبلوماسيَّة، والأخلاقـيَّة الدبلوماسيَّة، ولكن ليست كالذي يتمحَّظ بها، وينمو، وينشأ، ويترعرع عليها، ورحم الله المتنبي عندما يقول:

لأَنَّ حِلْمَكَ حِلْمٌ لا تَكَلـَّفُهُ     لَيْسَ التَّكَحُّلُ فِي الْعَيْنَيْنِ كَالكَحَلِ

يعني: أنـَّه يُوجَد شخص كحَّلَ عينه، وآخر عينه كحيلة، فالطبع الدبلوماسيُّ، والسجيَّة الدبلوماسيَّة البيت الذي يُساهِم في الأخلاق الهادئة الوادعة غير الإنسان الذي يدرس دراسة أكاديميَّة -أنا لا أنكر ما للأكاديميَّة من دور في صقل المواهب، لكنها لا تـُعوِّض عن المَلـَكة- لذا يجب أن نمعن النظر في كلِّ اختصاص بمُقابَلة في امتحان، وما شاكل ذلك، ونحدِّد في المُتقدِّم هل توافرت لديه إمكانات ذاتيَّة جُبـِل عليها، أم هي مُجرَّد أكاديميَّة.

الأكاديميَّة وحدها غير كافية، وأستطيع القول: هذا ينطبق على كلِّ الاختصاصات من دون استثناء، وقد سبق أن تحدَّثتُ مع السيِّد بان كي مون عن حرصي، واهتمامي بأن تتطوَّر الأمم المتحدة، ولا تبقى جامدة، كما كانت سابقاً، فخرجنا من غرفته، وخرج معي، وتشابكت أيدينا في الممرِّ، وقال: أنا أعرف أنَّ المُواصَفات التي تعطيها بالنسبة للعراق أعرف مَن تقصد، وقال: أنت تقصد السيِّد محمد علي الحكيم، وأنا أشاركك بهذا الانطباع.. هذه قالها لي قبل حوالى سنتين، أو سنة ونصف، وعندما التقينا مع السيِّد أنطونيو غوتيريس كان انطباعه انطباعاً حسناً وجيِّداً أيضاً؛ لما تلمَّسه من نشاط، وفاعليَّة، وأداء، ونمطيَّة من السيِّد محمد علي الحكيم.

نستطيع أن نقول: تقدَّمنا شوطاً، ولكن ليس كلّ الأشواط، ونتطلع أن لا نختزل حجم طموحاتنا بالأمم المتحدة للعراق، ولا لأيِّ دولة عربيَّة، أو دولة إسلاميَّة، بل نتمنى، ونتطلع أنَّ يتحقق هذا الطموح؛ حتى ينشر ظله من العدالة والمساواة على كلِّ دول، وشُعُوب العالم.

العراق دولة مُؤسِّسة بالأمم المتحدة، ودولة لها باع طويل، وتاريخ حضاريّ تعاملت مع مُفرَدات، وبواكير أفكار العدالة الاجتماعيَّة منذ عام 1792 إلى 1752 قبل ميلاد السيِّد المسيح -عليه السلام- تتحدَّث عن حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وعن كثير من مفاهيم العدالة الاجتماعيَّة، وشبكات الماء، كيف تـُوزَّع على الأراضي الزراعيَّة، ويُهدِّد من لا يلتزم بها بقطع الماء عنه.

نحن بلد لديه موروث حضاريّ ينحدر من قديم الزمن.. الحضارة لا تأتي بين عشيَّة وضُحاها.. يستطيع الإنسان أن يكون أكاديميّاً خلال 4، أو 5، أو 6 سنوات حسب الاختصاص، لكنه لا يستطيع أن يقفز إلى آفاق الحضارة المُتعالِية بين عشيَّة وضُحاها.

لا تستغربوا عندما يتحدَّث العراق عن ذلك، فابن الهور العراقيّ لديه مرتبة سامقة من الحضارة، والفهم الحضاريِّ، وهو أمّيٌّ لا يعرف القراءة والكتابة، ولكن لديه موروث حضاريّ يستنشق الحضارة استنشاق قِيَم..

يجب أن نعزِّز في نفوس أولادنا وبناتنا أنهم ورثوا حضارة ترفع الرأس، ولا نخجل عندما نقول: نحن عراقيون.. ليس مُجرَّد اعتزاز بالذات، وإثبات للذات، وإنما هذا هو تاريخنا، وحاضرنا، وهذه مُكوِّناتنا الاجتماعيَّة المُتعدِّدة.

هذا لم يكن مكسباً للعراق فقط، بل هو مكسب لجميع أشقائنا، وإخواننا من الدول العربيَّة، والدول الإسلاميَّة، ولم يكن بمعزل عن التقدُّم الذي حصل في باقي جوانب العراق..

العراق يقطع شوطاً بعد آخر، ويمضي على الطريق خطوة بعد أخرى إلى جانب خطوات في المجال الأمنيِّ، والعسكريِّ، والاقتصاديِّ، ولا تنسوا أننا نعيش ظرفاً في غاية التحدِّي، ولا يُمكِن أن نمشي من دون أن نأخذ بنظر الاعتبار وُعُورة الطريق.. السائر في طريق مُعبَّد غير الذي يسير في طريق وَعِرٍ، مملوء بالأشواك، والتحدِّيات.

الإرادة العراقـيَّة كانت أقوى من التحدِّي الاقتصاديِّ، والأمنيِّ، والعسكريِّ، وتحدِّيات الفساد المُتراكِم من السابق.

أستطيع أن أقول: مضى العراق في محورين أساسيَّين شقَّ طريقه بهما، فاستجاب المحور الثالث.

المحور الأوَّل: هو الجُهد العسكريّ: انضوت كلّ الكتل التي تحمل السلاح تحت لواء القيادة العامة للقوات المسلحة من الجيش، والشرطة، والحشد الشعبيِّ، والبيشمركة، وقوات مكافحة الإرهاب، وكلّ الحُشُود العشائريَّة، وكانت كلمتها واحدة، وقبل الكلمة كان موقفها واحداً.

هذا ما أفرزته مُعادَلات الميدان..

الجميع يحملون اسم العراق، بل يحملون الأسلحة بأكفهم، ويحملون أرواحهم على راحتهم؛ ليُحرِّروا العراق.

هذه كانت نقطة أساسيَّة، ومُهمَّة.

المحور الثاني: هو الخطاب السياسيّ: لا نـُنكِر أنَّ هناك فصائل سياسيَّة مُتعدِّدة، فلسنا كلنا في حزب واحد، ولا في جهة واحدة، ولا تـيَّار واحد، نحن شرائح مُتعدِّدة شأننا شأن كلِّ بلدان العالم التي حظيت بالتعدُّديَّة الاجتماعيَّة؛ لذا عندما ننظر إلى البرلمان نجده مُزداناً بألوان، واتجاهات مُختلِفة، وعندما نـُتابع المواقف، والتشريعات من الناحية الإجماليَّة نجدها تتجه صوب اتجاه واحد، وانضوت تحت شيء واحد، وهو موقفها الرافض للإرهاب.

هذا المحور الثاني الذي تحرَّك فيه العراق انعكس في الخارج العراقيِّ على كلِّ دول العالم، كما لمسته لمس اليد في الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربيَّة، ودول عدم الانحياز، ومنظمة المُؤتمَر الإسلاميِّ، كلـُّها تنظر له بكلِّ احترام؛ لأنَّ خطاب العراق واحد، ولأنَّ موقف العراق واحد.

كان يُوجَد تردُّد في البداية باستثناء بعض الشرائح الاجتماعيَّة، وبعض الشرائح السياسيَّة من خلاصات البيانات التي تـُكتـَب، وبعد ذلك مرَّت بمرحلة ثانية، فصار الذي يُريد أن يأتي باسم شريحة مُعيَّنة وتحديداً الحشد الشعبيّ يتردَّد، ويخشى من رُدُود الفعل السلبيَّة؛ لأنه أصبح الآن حقيقة واقعة على الأرض.

نحن لن نتخلـَّى عن أيِّ قوة سياسيَّة لها فعل وطنيّ على الأرض سواء كان الحشد الشعبيّ، أم أيّ شريحة أخرى، ولا نستحي، ولا نخجل في أن نطالب بها؛ لأنها جزء من مُجتمَعنا.

عندما صُبَّت المصائب على العراقيين في منطقة سنجار -على سبيل المثال- على الإخوة الإيزديِّين نحن ملأنا الدنيا صُراخاً.. في كلِّ مكان نتحدَّث عنهم، وعندما حدث الاعتداء على نساء التركمان في منطقة تلعفر، وكيف تمَّ هتك الحُرَم، وحرق بعض النساء وهُنَّ أحياء كانت لهُنَّ حِصَّة عالية من الخطاب.

لا تـُوجَد شريحة اجتماعيَّة استثنيناها من العرب، والأكراد، والتركمان، والسُنـَّة، والشيعة، والإيزديِّين، والصابئة..

وزارة الخارجيَّة هي وزارة العراق، وليس وزارة خارجيَّة خلفيَّة الوزير، أو السفير، أو رئيس الوزراء، أو رئيس الجمهوريَّة، أو رئيس البرلمان.

كلـُّهم جزء من العراق.. العراق أكبر من أكبر شخصيَّة موجودة في الحكومة؛ وما لم يكن العراق أكبر من كلِّ كياناتنا لا نستطيع أن نقول: نحن صنعنا دولة.

هذا هو شأن الحكم..

الحكم أكبر من الحُكـَّام، بل أكبر من الحُكُومة، وكلـُّهم يجمعهم حُبُّ العراق، والتفاني من أجله.

وأيُّ عطاء أكبر من الذي يحمل سلاحه دفاعاً عن عِرض، ومال، وسيادة، وخيرات؟!

هؤلاء هم المُدرِّسون، ونحن الطلاب.

أقول لكم بكلِّ صراحة: ليس لديَّ صفقة عاطفيَّة مع أحد، لا مع كيان مُعيَّن، ولا مع شخصيَّة مُعيَّنة أبداً.. أنا أنظر للعراق كقيمة كبرى، وأنظر للمُواطِن العراقيِّ كحامل لهذه القيمة، ومُضحٍّ من أجلها..

هناك تقدُّم أمنيّ، وعسكريّ واضح، وهذا حرَّك لنا محوراً ثالثاً، وما كان من السهل أن تروه الآن، وقد صار شيئاً مُعتاداً، دول العالم تتبارى اليوم في تناول الملفِّ العراقيِّ بكلِّ احترام؛ هذه أصداء لصوت العراقـيِّين في الداخل من صاحب الصوت الوطنيِّ العراقيِّ.

أبطالنا في الجبهات، وسياسيُّونا المُخلِصون الذي ابتعدوا عن الثرثرة، وانهمكوا، وشمَّروا لرفع اسم العراق، رحم الله المتنبي:

دَعْ كُلَّ صَوْتٍ غَيْرَ صَوْتِي فَإِنَّنِيْ          أَنَا الطَّائِرُ الْمَحْكِيُّ وَالآخَرُ الصَّدَى

ليس بدعاً أن يكون لدينا اتجاهات سياسيَّة مُختلِفة.. هذا شرف لنا، لا يُوجَد بلد اليوم يُختزَل بعشيرة، أو قوميَّة، أو مذهب، أو قوَّة سياسيَّة مُعيَّنة..

العراق ورثناه من آبائنا، وأجدادنا مُتعدِّد المُكوِّنات، ونـُحافِظ عليه، ونعتزّ به، وعندما يبقى العراق أكبر من أكبر كيان معناه وفقنا بين الكلِّ الوطنيِّ العراقيِّ، والأجزاء المُكوِّنة، ووفقنا بين الحكم، والحكومات، والحكام.

نتمسَّك بالعراق الحكم الذي سيعبر من هذا الجيل إلى الأجيال القادمة، وهذا يجب أن نعبر معه..

كنا سابقاً قد حصلنا على نائب رئيس مجلس حقوق الإنسان، وكانت بادرة طيِّبة، وجيِّدة، واليوم -الحمد لله- نائب الأمين العامّ، وإدارة المكتب التنفيذيّ للأسكوا.

وأنا لابُدَّ أن أثبت تجربتي مع السيِّد محمد علي الحكيم إذ كانت تجربة لا أستطيع أن أقول إنها قصيرة، لكنها ليست طويلة جدّاً، فهي منذ عام 2003 حين كنتُ في مجلس الحكم، وكان السيد الحكيم معي في مجلس الحكم.

أشهد أنه كان سياسيّاً، ودبلوماسيَّ الطبع، وليس التطبُّع.. طبيعته دبلوماسيّ.

ونحن بأمسِّ الحاجة لأن نـُنشِئ جيلاً من المُختصِّين يتماهى في اختصاصه، ولا يتكلـَّف، ولديه شخصيَّة، مثلما تبنـَّيتُ إخوة آخرين لا يعلمون ما بذلتُ من جهد من أجلهم، وهو واجب أؤدِّيه لبلدي العراق، لهذا الجيل، والأجيال القادمة.

اكتشاف أصحاب القابليَّات، ودعمهم ليس مِنـَّة عليهم، بل هو استحقاق، وضريبة، ويجب أن نحترم الكفاءة، ونـُقدِّرها.

هو (الحكيم) ارتقى مُضافاً إلى الكفاءة ارتقاءً تدريجيّاً..

نصيحتي لكلِّ الذين لديهم طموحات -وهذا حقهم الطبيعيّ- أن يُوفـِّروا مُستلزَمات تحقيقها، ويجب أن نسمع صوت الزمن.

الإنسان لديه قابليَّة، ولكن ليأخذ طريقه، ويرتقِ بشكل تدريجيٍّ.. انظروا للكثيرين الذين كانت لديهم مواقع سابقة صعدوا بها بشكل تدريجيّ..

يجب أن ننشر ثقافة الارتقاء التدريجيِّ لكلِّ أبنائنا وبناتنا، ونزجّهم، ونثق بهم، ونمدحهم حيثما يستحقون المدح، وندافع عنهم حيث يتطلب الأمر الدفاع، ولا نخجل حتى ننشئ جيلاً يأخذ زمام المسؤوليَّة.

على قابليَّاتنا، وقدراتنا الموجودة مسؤوليَّة النهوض باسم العراق، ويجب أن يمتدَّ المسؤول إلى حجم المُؤسَّسة، ويتحدَّث بحجم الأمم المتحدة.. هناك مشاكل في الأمم المتحدة، ويجب أن تعيد النظر في سياقاتها، وهناك الكثير من القضايا التي تعدُّها مُسلـَّمات، وهي مُنغـِّصات في مسيرة الأمم المتحدة.

عندما نضخّ مفاهيم صحيحة على مُستوى التنظير، وشخصيَّات كفوءة على مُستوى التطبيق نأمل أن نرفع هذا الظلم.. توجد الآن دول متقاطِعة، وأخرى مُتحاربة، وفرض حصار على هذه الدولة، وعدم السماح لتلك الدولة..

ما هذا؟

هل نحن في عصر القبائل، والعشائر؟!

حتى القبائل والعشائر لديها قِيَم، وعندما تتحارب تتصالح.. هذا عالم لا يصلح أن يكون القرن الحادي والعشرين، هذا عالم القرون الوسطى حيث السطو، والمنع.

هذا عالم يجب أن يُغادِرنا، ويذهب.

ألا ترون الآن المصائب التي صُبَّت على سورية.. هذا الطفل الصغير الذي رمته الأمواج على الساحل، وقـُلْ مثل ذلك قبلها على فلان بلد، وفلان بلد..

أنا لستُ داعياً لنظام أو حاكم مُعيَّن، لكني أرى الحقيقة كما أراها، وعهد الله عليَّ أن أقولها كما أراها.. رُبَّما أشتبه، ولكن لا أكذب على نفسي، ولا على أحد.

نحن بأمسِّ الحاجة لأن نطوِّر هذه المُؤسَّسات، والمُنظـَّمات حتى تصل إلى مُستوى ينبغي أن تصل إليه دول العالم..

الأمم المتحدة أدَّت دوراً، والآن بإمكانها أن تـُؤدِّي دوراً أكبر.

منذ عُدتُ إلى العراق عام 2003 مثـَّلَ الأمم المتحدة في العراق المرحوم (سيرجيو ديميلو)، وهو أوفى ما بذمته، وقد ساعدنا في العمليَّة السياسيَّة كثيراً.

إن أسعفني الوقت، والعمر سأذكره بالمُذكـَّرات عندما يأتي دوره.. سيرجيو ديميلو قدَّم للعراق خدمة كبيرة جدّاً، وجاء في وقت نحن بأمسِّ الحاجة إلى نفسيَّة مثل نفسيَّـته.. كنا في مُفترَق طرق، وجاء هذا الرجل، والتقينا عِدَّة لقاءات مفصليَّة بشكل ثنائيّ، وقال: ماذا أستطيع أن أقدِّم لكم من خدمة؟

ما كانت فكرة مجلس الحكم، وصلاحيَّة تشكيل حكومة، وكتابة الدستور إلا بعد أن أقنعتُ السيِّد سيرجيو ديميلو بمُقترَحات، ووعد بالالتزم، وما كان البقية مُوافِقين، وصادَفَ أن يتشكل مجلس الحكم، وشاء القدر أن أكون حسب الأحرف الأبجديَّة أوَّل رئيس مجلس حكم، وفي تلك الدورة كُتِبَتْ مُسوَّدة، وشكـَّلنا لجنة لكتابة مُسوَّدة الدستور، وشكـَّلنا الحكومة الأولى في الشهر الأوَّل، وقمنا بالإطلالة على جامعة الدول العربيَّة، وزيارة سبع دول في سبعة أيَّام في الشهر الأوَّل.

هذه كانت بواكير التحرُّك، وأنا ما كنتُ أدري، ودخلت الغرفة وليس في بالي أن يُوجَد شيء اسمه مجلس الحكم، وأكون أنا على رأسه أوَّلاً، وما قَبـِلتُ، ورفضتُ، وكلُّ المُعاصِرين يشهدون على ذلك، ثم طوينا تلك المرحلة، والآن على الجيل الجديد خصوصاً أنَّ بيننا سادة وسيِّدات من مجلس النواب، وكذلك السيِّد وزير النقل، وكثير من الشخصيَّات المُحترَمة لا يشغلنكم ثقافة الاستهلاك عن بناء العراق، ليس المهمُّ ماذا يقولون عنا، وإنـَّما المُهمُّ كيف نـُرضي ضميرنا.. المُؤمِن بنا بالله -عزَّ وجلَّ- يجب أن يُفكر كيف يُقدِّم لهذا الجيل، والأجيال القادمة، ونقطع الطريق على الدكتاتوريّات.. الدكتاتور يموت لكنَّ الدكتاتوريَّة قد تعود مرَّة أخرى إذا فوَّتنا الفرصة.

البديل عن الدكتاتوريَّة ليست المساومات الانتخابيَّة، وإنـَّما البديل هو أن ننفتح على قدراتنا، وقابليَّاتنا، وندعها تشقُّ طريقها، ونشيع ثقافة أخرى بدلاً عن ثقافة تبادل الصفقات؛ هذا لا يبني البلد، وإنـَّما الذي يبني البلد هو وُجُود أناس أكفاء يُديرونه.

مَن كان يعرف نيلسون مانديلا عندما كان في السجن 27 سنة؟ ولكن الآن تحوَّلت وفاته إلى كرنفال يحضره أكبر رؤساء العالم..

جاء بأوليفر، وقال له: كُنْ أنت أمين سِرِّ الحزب، ثم يرفض أوليفر، ويقول له: لا، أنت نيلسون مانديلا، فيقول له مانديلا: أنا كنتُ في السجن 27 سنة.

ويُدشـِّن رئاسة الجمهوريَّة، ويتنازل عن رئاسة الجمهوريَّة.. هؤلاء الذين بنوا بلدانهم ماتوا، ولم تمُت أفعالهم.. مات غاندي ولم تمُت الغانديَّة، مثلما مات ديغول، ولم تمُت الديغوليَّة.

نحتاج إلى ثقافة، ليست ثقافة كلام، بل ثقافة فعل.. دول العالم بنت حُكـُوماتها عندما حوَّلت كلَّ ما لديها من تراث، ومن حاضر، ومن قدرات، وقابليَّات.

نحتاج أن ننفتح على هذه التجربة بعقولنا؛ لنتزوَّد بهذا الفكر، والمفاهيم، والأكثر من ذلك بقلوبنا؛ لنأخذ قِيَماً، وعواطف، ومشاعر حقيقـيَّة نبني بها البلد.. البلد لا يُبنى إلا بهذه الطريقة.

أجدِّد شكري لكم جميعاً..

لابُدَّ لي أن أقول: إنَّ ما حصل في الخارجيَّة العراقـيَّة لا يُمثـِّل كلَّ طموحي، ولم يكن قليلاً، وطموحي أكبر بكثير، لكنَّ الوُجُود الناقص خير من العدم.

ما تحقـَّق أفضل ممَّا لم يتحقق، وهذا لم يعُد سِرُّ نجاحه إلى شخصيَّة مُعيَّنة، بل يعود لكلِّ الموظفين والموظفات بلا استثناء.

كلُّ الذين عملوا.. كلُّ الذين كتبوا.. كلُّ الذين نقدوا.. كلُّ الذين باشروا مَهمَّاتهم، وأعمالهم بطريقة كفوءة، وجديرة، كلـُّهم مُساهِمون، ويستحقون الشكر والتقدير.

إنَّ مصطلح الجنديّ المجهول أحبُّه كثيراً، فقد ذهب زمن اختزال الشجاعة العربيَّة بعنتر، واختزال الشجاعة عند الروم بيوليوس قيصر.. الشجعان الآن كـُثـُر؛ لذا قالوا: الجنديّ المجهول جنديّ شجاع، لكنّـه مجهول، ليس له اسم؛ لذا يُوجَد الدبلوماسيّ المجهول، والمُعلـِّم المجهول، والإعلاميّ المجهول، والسياسيّ المجهول.. مُنتهى الروعة أن يتماهى الإنسان، ويتنازل عن ذاته في سبيل أن يُبرز قيمة حقيقة تستطيع أن تعبر إلى المُستقبَل، وتمتدَّ إلى جغرافية دول العالم الأخرى.

أنا مُمتنٌّ جدّاً، وأشكركم على هذا الحُضُور..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


العودة إلى صفحة الأخبار


 الرئيسية  |  الأخبار  |  إبراهيم الجعفري  |  تيار الإصلاح الوطني  |  رسائل الأيام  |  كلمات  |  الصور  |  المكتبة  |  الفيديو  |  اتصل بنا 
E-mail : med@al-jaffaary.net
جميع الحقوق محفوظة لـموقع الدكتور ابراهيم الجعفري©2010 - 2017
استضافة وتصميم وبرمجة ويب اكاديمي

Powered by web academy